الجصاص
39
أحكام القرآن
وهو يرجع إلى معنى الخيبة ، ولا يحتمل الهلاك ولا الحكم بالغواية التي هي ضلال ، لأن أنبياء الله لا يجوز ذلك عليهم . قوله تعالى : ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) . روي عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة والحكم والسد ي : ( من بين أيديهم ومن خلفهم ) " من قبل دنياهم وآخرتهم ، من جهة حسناتهم وسيئاتهم " . وقال مجاهد : " من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون " . وقيل : " من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم " . ولم يقل من فوقهم ، قال ابن عباس : لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم ، ولم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه ممتنع إذا أريد به الحقيقة . قوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) . قرن قربهما الشجرة ، إلا أنه معلوم شرط الذكر فيه وتعمد الأكل مع العلم به ، لأنه لا يؤاخذ بالنسيان والخطأ فيما لم يقم عليه دليل قاطع . ولم يكن أكلهما للشجرة معصية كبيرة بل كانت صغيرة من وجهين ، أحدهما : أنهما نسيا الوعيد وظنا أنه نهي استحباب لا إيجاب ، ولهذا قال : ( فنسي ولم نجد له عزما ) [ طه : 115 ] . والثاني : أنه أشير لهما إلى شجرة بعينها وظنا المراد العين وكان المراد الجنس ، كقوله صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : " هذان مهلكا أمتي " وإنما أراد الجنس لا العين دون غيرها . قوله تعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ) . هذا خطاب عام لسائر المكلفين من الآدميين كما كان قوله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) [ النساء : 1 ] خطابا لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعده من المكلفين من أهل سائر الأعصار ، إلا أنه لمن كان غير موجود على شرط الوجود وبلوغ كمال العقل . وقوله تعالى : ( قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ) ، وقوله تعالى : ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) يدل على فرض ستر العورة ، لإخباره أنه أنزل علينا لباسا لنواري سوآتنا به . وإنما قال : ( أنزلنا ) لأن اللباس إنما يكون من نبات الأرض أو من جلود الحيوان وأصوافها ، وقوام جميعها بالمطر النازل من السماء . وقيل إنه وصفه بالإنزال لأن البركات تنسب إلى أنها تأتي من السماء ، كما قال تعالى : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ) [ الحديد : 25 ] . وقوله : ( ريشا ) قيل إنه الأثاث من متاع البيت نحو الفرش والدثار . وقيل : الريش ما فيه الجمال ، ومنه ريش الطائر . وقوله : ( ولباس التقوى ) قيل فيه إنه العمل الصالح ، عن ابن عباس ، وسماه لباسا لأنه يقي العقاب كما يقي اللباس من الثياب الحر والبرد . وقال قتادة والسدي : " هو الإيمان " .